صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
119
تفسير القرآن الكريم
اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ 13 / 39 ] . وبعد ذلك مرتبة وجودات المعلومات في موادها الخارجية الجزئية المكتوبة بمداد الهيولى التي تسمى « بالبحر المسجور » و « الكتاب المبين » ، كما أشير في قوله : لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي - الآية [ 18 / 109 ] وفي قوله لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ 6 / 59 ] وهاتان المرتبتان قابلتان للتغيير ، وبهاتين الأخيرتين يتّضح ( يسترجع - خ ) عروض التغيّر في علمه تعالى بالحوادث من حيث هو معلوم ، لا بما هو علم ، وإن كانا أمرا واحدا بالذات ، وهذا مما لا يعلمه إلا المحققون المحقون ، المتحققون بالشهود . فكذلك الحكم في مراتب إرادته ، فإن علمه تعالى بالأشياء بعينه إرادته بمعنى مراديته لما ثبت بالبرهان والكشف أن صفاته الكمالية كلها بعينه حقيقة واحدة ، وبمعنى واحد بلا اختلاف حيثيات ولا تعدد جهات إلا بمجرد التعبير . فإذا علمت هذا اتّضح لك حق الإيضاح من مشكاة هذا المصباح كيفية نسبة هذه المفهومات التجددية والمعاني الامتحانية الاختيارية ، التي بإزاء بعض الألفاظ الواردة في القرآن ، المتكررة ذكرها كهذا اللفظ ، وكلفظ « الابتلاء » في قوله وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وقوله وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ وقوله وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ وكلفظ « الدعاء » و « التعجب » و « الاستفهام » ، كقوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ 80 / 17 ] وقوله قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ 9 / 30 ] . وأمثال هذه ونظائرها كثيرة في القرآن ، فافهم واغتنم وتثبّت فيها ولا تكن من الخابطين ، ولا تتصرّف في كتاب اللّه بإخراجها عن معانيها الأصلية من غير ضرورة داعية ، واحملها على الحقيقة ، ولا تنكر ما لم تسمعه من أحد ولم تبلغك بالنقول ولا وصل إليك من العقول ، ولا تنحصر العلوم فيما سمعته أو فهمته ، فإن للّه لطائف رحمة في قلوب عباده ، وكمال بدائع صنع في أراضي بلاده ، فلا تتعجب من هبوب رياح رحمته ونزول أمطار عنايته ورأفته على من يشاء وهو رؤوف رحيم ، وأتل قوله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ 12 / 76 ] ،